You are hereمغص عقلي
مغص عقلي
ابحث عن الشباب
م/ وائل عادل
25/6/2008
بدَأَتْ الحصة الثانية... أجهد "الماوس" جدي وهو يحاول أن يطارد الملفات في "الكمبيوتر"، أخبرني أنه نسى كل ما تعلمه في الحصة السابقة... بدت عليه علامات التململ... أقسم أن تكون هذه هي الحصة الأخيرة. حضر العَشاء بعد أن فشلتُ في مهمتي.. ناديت أطفال العائلة فهم ملح الطعام.. أخذ الجميع يأكل في نهم... إلا أن الجد اكتفى بكسرات خبز مع الجبن حتى لا تضطرب معدته... همس أحد الأطفال في أذن الجد.. "جدو.. أنا أشطر منك... أستطيع أن ألعب أية لعبة على الكمبيوتر بينما لازلتَ تبحث عن مؤشر "الماوس"... ثم أمسك الطفل بالـ"ساندويتش" وانهال عليه قضماً..
تستطيع المعدة الصغيرة أن تأكل جميع أنواع الأطعمة دون تعب، لكن بمرور الوقت وجريان العمر تشترط المعدة كمية وأنواعاً محددة حتى تستطيع أن تعمل دون تذمر. ويخيل إليّ أن العقول كذلك لا تهضم كل أنواع الأفكار بسهولة، فكلما كانت "المعدة العقلية" شابة، كلما كانت شرهة، وكلما تقدم بها العمر كلما بدأت تقنن لنفسها أنواع الأطعمة والمشروبات الفكرية التي تحمل تصريح دخول!! لذلك من المهم أن ينتبه أصحاب الأفكار الجديدة إلى هذه الطبيعة الخاصة لمعدة العقل، وألا يثقلوا على كل الناس ليجبروهم على تناول أفكارهم، فليس كل إنسان تصلح معدته كي تهضم أفكارك، لمجرد أنك تأمل أن يقتنع. أو لمجرد أنه صانع القرار الذي يُرجى أن يعدل مساره. فقد كنت أريد لجدي أن يتعلم استخدام "الكمبيوتر"، حتى يستطيع أن يستمع إلى كل الأغاني التي يحب بدلاً من استخدام الراديو وشرائط الكاسيت، لكنه لم يستجب، وكان دائماً يقول: "يا بني عقولنا تختلف عن عقولكم"، وحتى حين يستخدم الجهاز الحديث فإنه يتعامل معه بمنطق الآلة التي اعتاد التعامل معها، فهو يحرك كل شيء ببطء كما اعتاد أن يحرك مؤشر الراديو. وكلما نظر إلى "الكمبيوتر" يسأل نفسه، ترى أين مؤشر تغيير القنوات؟! وأساطين الفكر القديم يعيشون صراعاً نفسياً عظيماً إزاء ثورة الأفكار، إذ أنها تنعي إليهم عمرهم الذي قضوه في فكرة ربما أخطأت الطريق، وكلما نظروا إلى تاريخهم السالف؛ كلما يئسوا من استدراك المستقبل، فيؤثرون السلامة راضين بالسير في طريق... أي طريق.. وطَرْح الفكر الجديد عليهم والإلحاح به يؤذيهم ويؤلم عقولهم، إذ يدعوهم لتغيير نمط النظر للحياة. وربما لا يكون من الإنصاف إرهاقهم بأطروحات فكرية مختلفة جذرياً، إذ ليس ذلك من الرحمة في شيء. ترى هل من الرحمة أن تطالب شيخاً طاعناً في السن بالجري السريع بحجة أن له قدمين وساقين مثلك؟!
قد يتسائل البعض!! ولكن هؤلاء القدامى هم صناع القرار في مؤسساتهم، وإذا تم التأثير فيهم وإقناعهم فستكون عمليات التحول سريعة وممكنة. لكن تاريخ الثورات العلمية ينبئنا أن الحقائق العلمية لا تنتصر لأنها تقنع المعاندين، فالحقيقة العلمية ترى الضوء بسبب موت المعاندين فكرياً أو جسدياً، وظهور جيل جديد ينظر بحيادية إلى المسائل المطروحة سابقاً. وهل هُضمت أفكار كوبرنيكس الذي حدد موضع الأرض من السماء إلا بعد قرن من وفاته؟؟!! وهل انتشرت الهواتف الخلوية ووسائل الاتصال الحديثة نتيجة اقتناع الأجيال القديمة بضرورتها؟! أم نتيجة ظهور جيل جديد يتلقفها؟! حتى أنها صارت دمية في أيدي الأطفال. غالباً ما يأتي تغيير الأفكار عبر هذه الثلة الفكرية الشابة التي تفتحت عينها للتو على العالم، فتنظر في أطروحات الأقدمين بحيادية، فليس من مصلحتها تبني طرح هذا أو ذاك، لأنها على أتم استعداد أن تحدث ثورة في طبيعة النظر للأشياء. إنها ليست منحازة للراديو، بل منحازة لأسرع وسيلة تُسمعها ما تهوى. وإن كان هرم المعدة العقلية أمر طبيعي كسنة من سنن الحياة؛ إلا أن هناك بعض العقول ظاهرها الشباب وباطنها الشيخوخة، فهم شباب يحاولون الاقتداء بكبار السن فيما لا يحسن الاقتداء به في عالم الأفكار، متوهمين أنهم بذلك حكماء، وما دروا أن كبار السن يمرون بمرحلة طبيعية في رحلتهم العقلية، ترى أحدهم يقول لك: "لعل في عدم استخدام "الكمبيوتر" حكمة يعلمها الكبار"، وقد هالني أمر هؤلاء.. فهل يُعقل أن يقتدي شاب صحيح في طعامه بمريض الضغط والسكر؟؟!! على رواد الفكر أن ينتبهوا لمثل هؤلاء، فهم شباب متقمصون هيئة شيوخ، خالوا أمراض المعدة صحة وعافية، وتشبهوا بالمرضى وخاصموا الأصحاء، فلتبذل الجهود في تحرير أولئك الشباب من حالة "التمارض الفكري".
إنني أكن احتراماً بالغاً لجدي لأنه اعترف أن عقل جيلنا يختلف عن عقله، وأننا الأقدر على التعامل مع أدوات العصر، فضلاً عن إنتاج أفكاره، ولطالما نصحنا بأن نأكل جيداً قبل أن تضرب معدتنا عن العمل، ولا أذكر أنه دعاني قط للسير على نهجه في الأكل بعد أن صار مسناً، فليس عيباً في الجد أنه كبر، لكنني أعتب على ذلك الشاب الذي يسأل جده أن يعلمه ماذا يفعل إن وجد "فيروس" في "الكمبيوتر"؟؟ فقد تغيرت أشكال وأدوات ومجالات الصراعات، وعلى الأجداد أن يسألونا ... ماذا أنتم فاعلون؟؟!! فهذا عصركم وعالمكم وهذه أدواتكم فأين أفكاركم الناجزة?!
وعندما تعجز أفكار الأجداد عن التصدي للواقع؛ يجب أن نترقب ظهور تصورات جديدة، صارخين مع كوبرنيكس، الأرض تدور حول الشمس وليس العكس، فالتصور الجديد سيخلق ثورة في الفعل، وحينها يجب ألا تتوجه صرختنا نحو الشيوخ، فليُترك الأجداد يمارسون حياتهم التقليدية دون منغصات، خاصة إن كانوا غير مدركين بعد لتفوق الواقع على أفكارهم. على حاملي الأفكار الجديدة أن يديروا أعينهم... وينظروا هناك... على الناحية الثانية من طاولة العَشاء.. هناك حيث تهضم المعدة الأطعمة بشراهة، حيث يبزغ قرص الشمس الذهبي، وحيث يحتشد الجيل الجديد الرائع المتعطش لفكرة جديدة لامعة. أما العقول التي هرمت، فتحتاج إلى جرعات فكرية مخففة، وإلا أصابها مغص فكري، تليه تشنجات حادة. فقد تبذل عمرك في إقناع الأقدمين بفكرة جديدة ثائرة، فيخدعك خفض رؤسهم تواضعاً لك... لكن انتبه، إنهم يحنون رؤسهم من شدة الألم، واضعين أيديهم على معدتهم، وسرعان ما ينفد صبرهم، وتصبح الأفكار فوق طاقتهم، فتتقيأ معدتهم أفكارك فور انصرافك من أمامهم.



مغربي محمد -الجزائر -
هذا إبداع والله إبداع ياأستاذ وائل، هناك مثل يقول"عندما نكون شباب نحاول أن نغير العالم ، وعندما نصبح شيوخا نحاول أن نغيرالشباب"
موقع رائع ويستحق الاهتمام في مقالاته تشكر على هذا الموقع الرائع
اعجبتني هذه المقاله الفلكيه
دمتم بخير
دردشة - شات
أشكرك على الأسلوب الرائع...
مقال يضرب في عمق الواقع ..
[...] مغص عقلي + الأنابيب الشرعية ، أيضا لوائل عادل أما هذا المهندس ما أدرى من وين يجيب أفكار لمقالاته .. و دايما ينتقد مش عاجبه شي [...]
هذا المقال ذكرني بمقالك المفتاح لا يفتح
فكلاهما يدور في نفس الايطار ويقدمالاطروحة ذاتها ولكن بطريقة مختلفة
أهنئك علي هذه القدرة علي تقديم الفكرة بطرق مختلفة
وننتظر المزيد
مقال اكثر من رائع
فبالفعل كل جيل له ظروفه وحيثياته التي تهيء له الظروف لكي يقود المسيرة
ولا يستطيع احد ان يتعارض مع هذه السنة الكونية وتوارث الاجيال
مع اهمية اعتمادية علي خبرات سابقيه
ففي بعض الاحيال تكون هذه الخبرة اكثر فائدة من متطلبات العصر الحديث
واذا كان الاجداد يكتفون بكسرة من الخبز مع قطعه من الجبن
فذلك حتى يستطيعون ان يستمروا في هذه الحياة وهذا ما يكفيهم فلديهم مخزون كاف من الطعام والشراب
كلام جميل واذا كان الجد يريد التطوير المستمر عليه أولا الإقتناع بسرعة ايقاع العصر والتحولات المختلفه ثم مواكبة ذلك بالحد الأدني من المعرفة التي تتيح القدرة علي تفهم ما يقال من العقول الثائرة
ما أجمل ما قرأت من تعليق جوليت فقد لخصت قضية الصراع بين جيلين
احبك يا جدي واحني لخبراتك راسي تقديرا واحتراما واقبل يديك تبجيلا واعتبار
ولي عندك طلبا اطلبه همسا واصرارا
اتركني اقود دراجتي واصطدم بالحائط اختبارا
سينزف قدمي دما يسيل اختيارا
فلا تشفق عليا فانا قررت ان اجرب افكاري انا لست
محتارا
تركني انهار
فانهياري ليس انتحارا
فغدا ساخدك واولادي نزور المستقبل ونعود بالنهارا
فانا يا جدي اشتاق لاري منك لي نظرات الانبهارا
ما أروع تلك المقالة ، جاءت على الجرح يا أخى
نعم قال الرسول نصرني الشباب وخذلني الشيوخ، الشباب كانوا أفكثر قرة على الاستجابة لفكرة جديدة
المعدة الهضمية تكبر وتشيخ مع الزمن وهذا هو ديدن الطبيعة ولا مناص لنا معشر البشر من تغيير ذلك ، وما علينا إلاّ أن ننتبه الى طبيعة ما نأكل فلا نجهد معدنا المسنة كي لا تصرخ فينا عند منتصف الليل. معدة العقل السليم تختلف تماما عن المعدة الهضمية فهي تبقى نشطة حاذقة وخبيرة بما هضمته من تجارب وخبر طول فترة حياتها. تستطيع أن تميّز في أغلب الأحيان ماهو صالح وما هو طالح وربما تكون نبراس ساطع يستطيع أن يضيء الدروب الحالكة أمام الأجيال الصاعدة.
هذا ما يحصل في الظروف الطبيعية السليمة، لكن مع ألف أسف الظروف ليست دائما طبيعية والشذوذ بالسيرة والتصرف والتفكير طالما يسود في عصرنا هذا مما يدعو ذلك الى الكثير من التمحص والتركيز لإكتشاف العلة وتحديد أبعادها.
معدنا الهضمية والفكرية تشكو من أمراض مزمنة وهي في شبابها. أهم أسباب عللنا الهضمية هو طبيعة ما نتناوله من أطعمة ممتلئة بالشحوم والدهنيات فتتعب معدنا قبل الأوان لأنها لا تستطيع أن تقاوم ما حملناها من جهد. الحال نفسه ينطبق على عقولنا فهي تهضم ما لا يهضم وتتناول ما يطرحه الآخرون فتتعب عند منتصف الطريق ولا ترقى الى ما تتطلبه الحضارة وتطلبه المدنية ويحتاجه التقدم.. ... ما علينا الاّ أن ننظر ونبحث ونركز على أسباب أمراضنا كي نبدأ بعلاجها وعندها سنحتاج الى الفكر المعاصر والآلة الحديثة في عملية العلاج والتطور والبناء وهنا يتضح دور الشباب الرائد ويكون للعمر أثره في السرعة والزخم. دون علاج الأمراض سنبقى شبابا وشيبا رهنا للركود المعدي فكريّا وهضميّا.
طبعاً ليس م\طلوبا أن نرمي أفكار أجدادنا كلية، لكننا يجب ألا نعتمد عليهم في أسئلة لا تدركها عقولهم، كما حاول كوبرنيكس
الرؤيا الفكرية
تكلم الكتاب كثير عن المعدة ونسى شئ مهم العيون الذي يرى فيه الفكر المطروح اي نتاج المعدة وهضم الطعام في المعدة يولد طاقة يتحرك بها الفكر ولاكن اصعب شئ في الوضوع ان الرؤيا او مواقع الرؤيا التي من خلالها يتحرك الفكر على ارضية الواقع تخدعه وتعطيه بعض الاحيان سراب ويمكن ان يكون بحر متلاطم الامواج امامه وهو لايجيد السباحة الفكريةان للفكر رؤيا وله بيئة داخلية وخارجية من خلالها ومن خلال ماموجود من معدته من طاقة فكرية ويمكن ان تترجم الرؤيا الفكرية الموجود امامها في الساحة تترجمه على اساس عاطفي او اساس عقلاني ويمكن ان تترجمه على اساس رباني الهي اخيرا ان ارى اكتب للشخص امامي يحتاج هو لعلاج لوصفة علاج طب شعبي يمكن ان تخفف الام معدته من شيخ كبير ولو نفرض ان التاريخ هو الشيخ الكبير اي لايمكن ترك مااكتشفه الاجداد ونرمي بفكرهم خلفنا
تحياتي أخي وائل .
إن ما تذكره دقيق وهام جداً . وأنا مهتم فيه منذ زمن , وقد كتبت كتاب " اللعبة والصفقة والوجبة " تكلمت فيه عن الوجبة بشكل عام , وبشكل خاص عن الوجبات الفكرية بالنسبة لنا نحن البشر .
وقد كتبت مقال مطول عن الوجبة بكافة أنواعها وأشكاله , سينشر قريباً في جريدة عرب أونلاين الأسبوعية .
أضيف إلى ما ذكرت : ليس ضرورياً أن يكون للشباب أفكار جديدة , فالكثير منهم محافظين بطبعهم ( والأنسان محافظ بطبعه ) , ويكرهو ن التجديد , فيتمسكوا بالأفكار اللتي يرثونها من أهلهم ومجتمعهم , وهم على الأغلب يأخذونها دون تمحيص وتدقيق , على أنها هي صيحيح ولا يوجد غيرها أصح منها .